أحمد بن محمد مسكويه الرازي
143
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الدواء لا يرام للذة ولا يستكثر منه للشهوة ، فكذلك الأطعمة ما ينبغي ان يتناول منها الا ما يحفظ صحة البدن ، ويدفع ألم الجوع ويمنع من المرض ، فيحقر عنده قدر الطعام الذي يستعظمه أهل الشره ، ويقبح عنده صورة من شره اليه ، وينال منه فوق حاجة بدنه أو ما لا يوافقه حتى يقتصر على لون واحد ، ولا يرغب في الألوان الكثيرة . وإذا جلس مع غيره لا يبادر إلى الطعام ولا يديم النظر إلى ألوانه ، ولا يحدق اليه شديدا ويقتصر على ما يليه ، « 1 » ولا يسرع في الاكل ولا يوالي بين اللقم بسرعة ، ولا يعظم اللقمة ولا يبتلعها حتى يجيد مضغها ، ولا يلطخ يده ولا ثوبه ، ولا يلحظ من يؤاكله ولا يتبع بنظره مواقع يده من الطعام ، ويعود أن يؤثر غيره بما يليه ، ان كان أفضل ما عنده ، ثم يضبط شهوته حتى يقتصر على أدنى الطعام وأدونه ، ويأكل الخبز القفار « 2 » الذي لا أدم معه في بعض الأوقات . وهذه الآداب ، وان كانت جميلة بالفقراء ، فهي بالأغنياء أفضل وأجمل وينبغي ان يستوفي غذاءه بالعشي ، فان استوفاه بالنهار كسل واحتاج إلى النوم وتلبد فهمه مع ذلك ، « 3 » وان منع اللحم في أكثر أوقاته كان أنفع له وقعا في الحركة والتيقظ ، وقلة البلادة وبعثه على النشاط والخفة ، واما الحلواء والفاكهة فينبغي أن يمتنع منها البتة ان أمكن ، والا فليتناول أقل ما يمكن فإنها تستحيل في بدنه فتكثر انحلاله ، وتعوده مع ذلك على الشره « 4 » ومحبة استكثار من المآكل ، ويعود أن لا يشرب في خلال طعامه الماء ، فأما النبيذ وأصناف الأشربة المسكرة فاياه وإياها ، فإنها تضره في بدنه
--> ( 1 ) . يقتصر على الطعام الذي وضع أمامه ، ولا ينظر إلى طعام الآخرين . ( 2 ) . القليل : أي يأكل الخبز القليل الخالي من الطعام في داخله . ( 3 ) . أصابه بعض من الغباء . ( 4 ) . يقال يأكل بشراهة ، أي : الأكل الكثير وبشهيّة مفرطة .